كانت في طريقها من الشّوف إلى بيروت في ليلة من ليالي كانون الباردة، سنة 2021، وبينما كانت تمسك المقود جيدا بيديها وتقود بهدوء تام وتضحك بفرح مع أنغام الموسيقى الّتي تسمعها لترفّه عن نفسها، اصطدمت كارمن بشابٍّ، لم تره بسبب أن أعمدة الإنارة في الطرقات لم تكن تعمل، كان يعبر الطريق إلى الجهة الأخرى. وبفعل الاصطدام، ارتطم الشاب بالأرض، وسقط على الجانب الآخر من الطريق. أمّا كارمن، فلم تتحرّك من مكانها. بقيت جالسة في سيّارتها، المحرّك مطفأ، يداها متيبّستان على المقود، وعيناها شاخصتان نحو الفراغ. لم تنزل لتتفقّد الشّاب، فالصدمة شلّت حركتها بالكامل، وكأنّ الزّمن توقّف عند لحظة الاصطدام
خلال دقائق،
بدأ النّاس يتجمّعون حول السيّارة. بعضهم كان يصرخ، والبعض الآخر يلوّح بيده
نحوها، متّهما إيّاها بمحاولة الفرار: "لا تهربي! ابقي مكانك! الدّرك في
الطريق!" كانت الأصوات تزداد حدّة، لكنّ كارمن لم تكن تنوي الهرب، ولم تكن
قادرة حتّى على تحريك قدميها
تقول كارمن لاحقا: "لم أكن أفكّر بشيء! لم أكن أعرف كيف أتصرّف! كنت فقط أنتظر... أنتظر أن ينتهي كل شيء، أو أن يوقظني أحد من هذا الكابوس
بعد وصول عناصر الدّرك وأخذها إلى أقرب مركز من الحادثة، كان العناصر يقفون بجانبها ويتحدثون بين بعضهم بصوت منخفض، لكن كلماتهم الثقيلة لم تغب عن مسمعها، فقد كانوا يتناقشون بين بعضهم حول ما إذا يتركونها تنام هذه الليلة في المخفر إذا تأكدوا أن الشّاب قد توفّي. بعد سماع تلك الكلمات، شعرت كارمن وكأنها في قفص لا تستطيع الهروب منه، فالمخفر لم يكن مكانا يحتمل، لا من حيث الشكل ولا الشعور. جدرانه متشققة ورطبة، وكأنها تحمل بين التشققات قصصا قديمة من الخوف والقيد، والأسرّة حديديّة تجعل ممّن ينام عليها يحلم بالنجاة لا بالراحة. لا نوافذ، ولا ساعة تخبرها كم مضى من الوقت. وعندما شعرت كارمن أنّ الزّمن في الداخل متجمّد وأن الخارج بعيد عنها أكثر من أيّ وقت مضى، اتصلت بوالدها كي يأتي علّ قربه يخفف من وطأة الخوف... حضر، لكنّه لم يحمل معه سوى صمته الأبوي، لا دفء مشاعر ولا سؤال يلامس الألم
بعد هذه الحادثة المروّعة، بدأت حالة كارمن النّفسيّة بالتّدهور بشكل ملحوظ. لم تعد قادرة على النّوم بشكل منتظم، أو حتى الشّعور بالراحة، فهي كانت تعيش في دوّامة من القلق والانفصال عن الواقع. والأمر الّذي زاد الطّين بلّة هو غياب التّفهّم والدّعم من محيطها، إذ كانت تسمع تعليقات جارحة من أقرب الناس لها: "اشكري ربّك ما مات الزّلمي."، "نفسيتك؟ المهم ما انحبستي"، وكأنّ مشاعرها غير مبرّرة، ومعاناتها الدّاخليّة لا تستحقّ الاهتمام. لكنّ كارمن لم تستسلم ولم تقع ضحيّة هذه الأفكار الخاطئة، وذهبت لزيارة طبيبة نفسيّة مرّات عدّة إلى أن تمّ تشخيصها لاحقا باضطراب ثنائي القطب
حادثة كارمن ليست حالة فرديّة فقط، بل هي نموذج يعكس تحدّيات كبيرة تواجهها أعداد متزايدة من اللبنانيّين الّذين يعانون من اضطرابات نفسيّة جديدة أو متفاقمة نتيجة الصّدمات المتتالية، بما في ذلك حرب الـ 2024 والّتي شنّها العدو الصّهيونيّ على الأراضي اللبنانيّة. ففي بلد يعاني شعبه من فجوة في الفهم والوعي عن أهميّة الصحّة النّفسيّة، تبرز قصص مثل قصّة كارمن كنافذة لفهم الواقع النّفسيّ الّذي يعانيه الكثيرون
منذ لحظة
التّشخيص، بدأت كارمن تفهم بشكل أوضح ما تمرّ به، لكنّ ذلك لم يسهّل عليها الأمور.
فالتعامل مع اضطراب ثنائي القطب تطلّب منها مجهودا يوميّا لفهم تقلّباتها
المزاجيّة، ولإقناع محيطها بأنّ ماتمرّ به ليس مجرّد "دلع" أو "جنون" كما كانوا يقولون لها
تقول كارمن: "كنت أستيقظ أحيانا بطاقة لا توصف، أرغب بأن أفعل كلّ شيء، وأشعر أنّ لديّ قوّة خارقة لا أعرف أين أذهب بها"
هذا التّقلّب الحاد بين نوبات الاكتئاب والهوس جعلها تفقد أغلب علاقاتها الاجتماعيّة بسبب أن غالبيّة الناس لا يتفهّمون هذا النوع من الاضطرابات النّفسيّة
وفي مقابلة
أجريتها مع الطّبيب النّفسيّ الدكتور حسن برجي، شرح أنّ اضطراب ثنائي القطب هو أحد
الاضطرابات النّفسيّة المزمنة الّتي تدوم مدى الحياة، ويتّسم بتقلّبات حادّة وغير
متوقّعة بين نوعين من النوبات
أو نوبات الهوس أو ما يعرف mania ،hypomania
ونوبات
الإكتئاب. هذه التّقلبات قد تستمرّ لأيام، أسابيع، أو حتى شهور، وتتفاوت شدّتها
بين شخص وآخر. ويشرح د.برجي أنّ اضطراب ثنائي القطب ينقسم إلى نوعين رئيسيّين،
يختلفان من حيث طبيعة النّوبات، حدّتها، وتكرارها
وأشار د.برجي إلى أنّ أكبر التّحديات الّتي يواجهها الأفراد المصابين باضطراب ثنائي القطب هو التّشخيص الخاطئ، بالأخص أنّ العديد من المرضى يشخّصون في البداية بالاكتئاب فقط، لأنّهم يلجؤون إلى العلاج غالبا أثناء نوبة الاكتئاب، في حين لا يذكر الهوس أو الهوس الخفيف، إمّا لعدم التّنبّه له، أو لأنّه يفسّر على أنّه طاقة إيجابيّة أو اندفاع طبيعيّ
لذلك، يؤكّد د.برجي على أهميّة التّقييم الدّقيق الّذي يأخذ بعين الاعتبار التاريخ المرضي الكامل، وأن يكون هناك تواصل مفتوح مع المريض لرصد أيّ علامات على نوبات الهوس أو الهوس الخفيف. وأوضح الدكتور أنّ أهم الركائز في التّعامل مع اضطراب ثنائي القطب هي العلاجات الدّوائيّة، والّتي لا يمكن الاستغناء عنها. فهذا الاضطراب لا يعالج بالحديث وحده، ولا يكفي الاعتماد على العلاج النّفسيّ أو الدّعم الاجتماعيّ فقط، لأنّ التّقلّبات المزاجيّة المرتبطة به تعود إلى اضطراب في كيمياء الدّماغ، مما يجعل من العلاج الدّوائي حاجة طبيّة مستمرّة، وليس خيارا مؤقّتا
الليثيوم “Lithium” ومن أشهر
الأدوية الّتي تستخدم في علاج اضطراب ثنائي القطب، مثبتّات للمزاج
وهو من
أقدم العلاجات وأكثرها فعاليّة في تقليل احتمال حدوث نوبات الهوس او الاكتئاب.
وهي أدوية
أخرى ومثل البروات الصوديوم “Depakote” أو لاموتريجين “Lamictal”، والتي تستخدم لضبط التّقلّبات المزاجيّة، خاصة عند وجود اكتئاب
متكرر
“Abilify” أو
أريبيبرازول “Seroque" وفي بعض
الحالات، يضاف مضاد ذهان مثل كويتيابين
، خصوصا عند ظهور أعراض ذهانيّة، أو لزيادة فعاليّة الأدوية
الأخرى.
وأحيانا، يعطى
المريض مضّاد اكتئاب لفترة محدودة وبحذر وتحت المراقبة، لأنّه قد يحفّز نوبة هوس
إذا لم يكن مقرونا بمثبّت مزاج
وأحيانا، يعطى المريض مضّاد اكتئاب لفترة محدودة وبحذر وتحت المراقبة، لأنّه قد يحفّز نوبة هوس إذا لم يكن مقرونا بمثبّت مزاج
وأشار د.برجي إلى أنّ الخطّة العلاجيّة تختلف من مريض إلى آخر بحسب نوع الاضطراب، شدّته، وجود
أمراض مرافقة، وتجاربه السّابقة مع الأدوية
لذلك، المتابعة الدوريّة مع الطّبيب النّفسي ضروريّة لضبط الجرعات، مراقبة الآثار الجانبيّة، وتعديل الخطّة حسب الحاجة
لكنّ التحدّي الأكبر لا يكمن فقط في التشخيص ووصف العلاج المناسب للمريض، بل في ضمان التزام المريض به على المدى الطويل. فكثيرون ممّن يوصف لهم الدواء، يتوقّفون عن تناول أدويتهم بعد شعورهم بالتّحسّن، ظنّا منهم أنّهم قد شفيوا، ما يعرّضهم لانتكاسات مزاجيّة حادّة جدّا
حيث أكّد د.برجي أنّ الدّواء ليس لعلاج حالة
مؤقّتة، بل لحماية اسقرار المزاج على المدى البعيد. فالتوقّف المفاجئ عن العلاج
يشبه سحب السجّادة من تحت أقدام المريض كما قال برجي
من جهة أخرى،
لا يخلو العلاج الدّوائي من التّحديّات. فبعض المرضى يعانون من آثار جانبيّة مثل
زيادة الوزن، الارهاق، أو اضطربات في النوم. وهنا تأتي أهميّة المتابعة المنتظمة
مع الطّبيب، لأنّ تعديل الجرعات أو تغيير نوع الدّواء قد يخفّف من هذه التأثيرات
ويحسّن من نوعيّة حياة المريض
أمّا العامل الاجتماعي، فيلعب دورا معقّدا. فالوصمة المرتبطة بتناول أدوية نفسيّة أو حتى أخذ استشارة من معالج نفسيّ قد تدفع بعض المرضى إلى إخفاء مرضهم أو رفض العلاج خوفا من الحكم الاجتماعيّ
تختلف وجوه المعاناة، لكنّ الألم متشابه. ريهام، شابة في الثلاثينيّات من عمرها، حملت اضطراب ثنائي القطب بصمت لسنوات قبل أن تعرف اسمه. فهي كانت تتقلّب بين فترات من النشاط المفرط والسهر لأيام، وبين لحظات من الإنهيار التام واليأس الصامت
تقول بصوت خافت: كنت عايشة بين نوبتين بدون ما حس.. يا إمّا فوق كتير، يا إمّا تحت تحت، بس ولا مرّة فهمت ليش؟
لفترة ليست بقصيرة، تمّ تشخيصها بالاكتئاب فقط، وهو تشخيص خاطئ لم يأخذ بعين الاعتبار نوبات الهوس الخفيف الّتي كانت تمرّ بها. هذه النّوبات كانت تفسّر من قبل محيطها على أنها "جنون"، بينما كانت في الواقع تمرّ باضطراب ثنائي القطب والّذي يحتاج إلى متابعة دقيقة. هذا التشخيص الخاطئ جعل حالتها تتدهور مع مرور الوقت، وأدى إلى نوبات متكررة من الهوس الخفيف بسبب أنها كانت تأخذ مضاد للاكتئاب لفترة غير محدودة، انعكست سلبا على حياتها اليوميّة كربّة منزل وأمّ لولدين من جهة، وعلى علاقاتها مع الأهل والأصحاب من جهة أخرى
لكنّ الصراع لم يكن داخليّا فقط! فالألم الأكبر، كما تصفه ريهام، جاء من نظرة المجتمع ومن ردود الفعل المؤذية الّتي تلقتها من أقرب الناس لها وحتّى من عائلتها. فالبعض منهم اتّهمها بالمبالغة، والبعض الآخر وصفها بـ "المجنونة"، هذا عدا عن اسقاط الحكم والتهم لها بأن كل ما يحدث لها هو قلّة إيمان برب العالمين، أو تهرّب من المسؤوليّة الّتي على عاتقها
فمنذ أكتوبر 2023، بدأ الظلّ الثّقيل للحرب يتسلل إلى حياة ريهام بشكل غير متوقّع لكنّه حقيقيّ ومرعب. والدتها فلسطينيّة، ونشأـ ريهم على قصص النّضال والشتات، لكن ما كان يوما مجرّد قصّة تاريخيّة أصبح فجأة حاضرا وقريبا أكثر من أيّ وقت مضى! فتصاعد الأحداث في فلسطين ولبنان بعد عمليّة طوفان الأقصى، أدّى إلى اندلاع الحرب والّتي حملت معها صدى بكاء الأطفال، رائحة البيوت المدمّرة، وخوف مزروع في صدور النّاس الّتي جبرت أن تترك منازلها وتنزح إلى مناطق أكثر أمانا
ريهام، الّتي كانت تكافح بالفعل مرضها النّفسيّ قبل أن تدركه، وجدت نفسها غارقة في دوّامة جديدة من القلق والتّوتّر اللامتناهي. كلّ خبر حمل بين سطوره شهادة طفل أو رجل بريء، كلّ صوت دوّي انفجار، وكلّ رسالة من أقاربها في المناطق الحدوديّة، كانوا كالسّكاكين الّتي تغرز في روحها. كانت الحرب بمثابة موجة عاتية تغرقها في ظلام أعمق من أيّ اكتئاب سابق
كانت الليالي تمرّ عليها ثقيلة كالجدران، وكلّ تفصيل في يومها تحوّل إلى عبء لا يحتمل. حتّى صوت عقارب السّاعة المعلّقة على الحائط كان يزعجها، صوت أنفاسها يخنقها أحيانا، ونور الصّباح المتسلّل من بين السّتائر المغلقة كان يؤلم عينيها الّتي تورّمت من قلّة النّوم. لم تعد تحتمل شيئا، لا ضوءا، لا صوتا، ولا حتّى نظرة من أحد
تحوّلت غرفتها إلى ملجأ وسجن في آن واحد! الستائر المسدلة، الباب المغلق، النور المطفأ، والسرير غطّت على تفاصيل الحياة الخارجيّة. أيام طويلة كانت تقضيها ريهام منكمشة تحت الغطاء، كطفلة خائفة من شيء لا تعرفه. كانت تحاول النّوم، تتوسّل له، لكنّ النّوم كان يفرّ منها
لم يكن ذلك بسبب أنها لم تكن مرهقة، بل ريهام كانت مرهقة أكثر من أن تنام. كانت هنالك فكرة واحدة تسيطر على عقلها كلّما حاولت إغماض عينيها والنوم، كانت تظنّ أنها وإن نامت، شيء سيّء قد يحدث. قد تفقد أحد أولادها! قد يقصف البيت! أو قد لا تستيقظ أبد! أفكارها كانت تتكاثر ليلا، تلاحقها، تحاصرها، وتنهكها
وفي كلّ مرّة تحاول ريهام إسكاتها، كانت تلك الأصوات الدّاخليّة تعود أقوى، غرقت في نشرات الأخبار، لا كمن يبحث عن الحقيقة، بل كمن يبحث عن مرآة للألم، كانت تتنقّل من فيديو لآخر، من صورة شهيد لدمار مبنى، من ركام بيت إلى صراح أمّ مفجوعة. كانت تقنع نفسها بأنها لا تزال على قيد الحياة فقط عندما ترى مأساة أكبر من الّتي في داخلها
ابتعدت عن النّاس، ولم تعد تردّ على الهاتف، ولم تشارك في الأحاديث العائليّة. كان الحديث مع الآخرين يستنزفها، فكلّ كلمة، كلّ زيارة، كلّ محاولة اقتراب، كانت بمثابة اعتداء على مساحتها الصّغيرة من الانطفاء. فقدت القدرة على الابتسام، أو حتى على مجرّد الردّ على أسئلة أطفالها الكثيرة. كانت تشعر أنها عبء ثقيل. ليست أمّا، ولا ابنة، فقط كائن لا لزوم له. لم تعد ترى لنفسها دورا في هذه الحياة: "ما جدوى وجودي؟!" كانت تسأل نفسها يوميّا. حتّى غدا الموت جميلا لها، وفكرة الانتحار لم تكن وليدة لحظة انفعال، بل كانت ضيفا يزورها كلّ مساء، يهمس لها: "هنا الخلاص.." كانت تشعر أنّ الانسحاب من هذا العالم سيكون عملا لطيفا، فيه بعض الرّحمة لها ولمن حولها
وفي خضم هذه
الفوضى، ازدادت حالة ريهام النّفسيّة سوءا، فالهوس الذي كان سابقًا يرتبط بأوقات نشاط غير
طبيعي، أصبح مليئا بالهلوسات وأفكار التشويش، أما نوبات الاكتئاب فلم تعد مجرد
فترة من الحزن، بل تحولت إلى هاوية مظلمة تقذفها بعيدا عن أي أمل أو قدرة على
المقاومة
نقطة التّحوّل، كما روت ريهام، كانت حين
قررت زيارة طبيب نفسيّ آخر للتّأكّد من التشخيص بسبب أنّ العلاج لم يكن يعطي أيّ
مفعول. وبعد فترة من
التشخيص الخاطئ والتجربة المؤلمة، شعرت ريهام أنها وصلت للحافة، وأنها إمّا أن تجد
من يفهمها حقّا، أو أن تنغلق على ذاتها للأبد. ترافق هذا القرار مع خطوة شجاعة
أخرى، وهي طلب الدعم من معالجة نفسيّة لمساعدتها على تفكيك مشاعرها وأفكارها، إذ
لم تكن بحاجة فقط إلى دواء يضبط نوباتها المتكررة، بل إلى مساحة أمان تسمع فيها
وتصدّق
ومع التّقييم الشّامل، وخلال جلسات عدّة، قيّم الطّبيب النّفسيّ تاريخ ريهام المزاجيّ، وسألها أسئلة تفصيليّة حول فترات "الطّاقة المفرطة" الّتي كانت تعيشها، وعن أنماط نومها، وسلوكها في العمل والمنزل، وتأثير تلك التّقلّبات على علاقاتها. وبعد مقارنة طويلة بين الأعراض والتّغيّرات، تمّ أخيرا تشخيصها باضطراب ثنائي القطب من النّوع الثاني. تقول ريهام أنّ لحظة التّشخيص كانت مفصليّة، فهي كانت تدرك وتعي ما بها، لكنها كانت فقط بحاجة لطبيب مختصّ يأكّد ما عندها
منذ تلك اللحظة، بدأت رحلة جديدة، لا تخلو من الصّعوبات، لكنّها على الأقلّ كانت برفقة الوعي. توصيات الطبيب شملت خطّة علاج دوائيّ باستخدام مثبتات المزاج بجرعات مدروسة،مع متابعة أسبوعيّة لجلسات العلاج النّفسيّ والتفريغ. كان هناك تحدّ حقيقيّ في الالتزام بالأدوية وجلسات العلاج، خصوصا أن الأسعار كانت تفوق قدرة ريهام المّاديّة، الأمر الّذي أدّى في نهاية المطاف إلى تركها للدواء والعلاج
وهنا بدأت رحلة ريهام الحقيقية، حيث لم يعد المرض وحده هو التحدي، بل كان عليها مواجهة واقع أكثر قسوة، واقع حيث الحرب ليست مجرد خلفية، بل جزء من قصتها اليومية التي تعيشها، وتشكل مصيرها. ففي الثالث والعشرين من أيلول 2024، اشتدّت الاعتداءات الجويّة الاسرائيليّة على القرى الجنوبيّة، بعد عمليّتيّ البيجر واللاسلكي في الضاحية الجنوبيّة، والاغتيالات العدّة الّتي كانت في المنطقة نفسها. لذلك، نزح كلّ من سكّان الجنوب، الضاحية الجنوبيّة وحتى بعض سكان البقاع وبعلبك إلى مناطق أكثر أمنا كالشمال، جبل لبنان، أو العاصمة بيروت. ومع كلّ انفجار، كانت جدران المنازل تهتزّ، وتتهشّم في قلب ريهام بقايا الاحساس بالأمان. كان الليل قاتما، تختلط فيه أصوات القصف بصراخ وخوف الأطفال، وارتجاف قلوب الأمهات، والقلق الّذي لا يهدأ
لكن ما لم يكن بالحسبان أن النزوح لم يكن مجرّد انتقال من بيت إلى آخر والذّهاب إلى مكان أكثر أمانا، بل كان بمثابة انتزاع عنيف لما تبقّى من استقرار ريهام الهشّ. ريهام، الّتي اعتادت أن تعيش باستقلاليّة، وجدت نفسها محشورة في منزل مكتظّ مع والدتها وأخوانها، في بئة لم تخترها، وظروف حتّمت عليها البقاء فيها، تضيق بها الجدران، وتعلو فيها أصوات الأولاد الصّغار، وتتلاشى فيها المساحات الخاصّة
فالضغط اليومي كان هائلا. ضجيج المكان، غياب الخصوصيّة، الغربة داخل البيوت، كلّ ذلك كان ينهك أعصابها، ويزيد من هشاشتها العاطفيّة. لم تكن تبكي فقط بسبب الحرب، بل لأنّها لم تعد تشعر أن هذا العالم يتّسع لها. ففي كلّ مرّة حاولت أن تُخبر أحدًا من عائلتها بما تشعر به، قوبلت بالصّمت أو التجاهل أو العتب، وكأنّ آلامها "ترف نفسيّ" لا مكان له في زمن الحرب
وسط كلّ هذا الفوضى، توقّفت عن تناول أدويتها. لم يكن ذلك عن رفض للعلاج، بل لأنّ الروتين اليومي انهار، ولم تعد تملك السكينة اللازمة للالتزام، هذا عدا عن امكاناتها الماديّة الّتي أصبحت معدومة. ومع ذلك، تمسّكت بخيط وحيد من النجاة: التواصل مع معالجتها النفسيّة. كانت تبعث لها برسائل صوتيّة في اللّيل، تخبرها فيها عن ضيق أنفاسها، عن رغبتها في الهروب، عن شعورها بأنها تختنق دون سبب واضح
لكن أكثر ما كان ينهشها هو فقدان السيطرة. لم تكن تسيطر على انفعالاتها، على بكائها المتكرّر، على رغبتها الدائمة بأن تعود إلى بيتها، ولو تحت القصف. وفعلاً، عادت ريهام إلى بيتها في الضاحية أكثر من مرّة خلال الحرب، رغم الخطر، فقط لتكون وحدها، لتجلس على سريرها، تتنفس برهة من خصوصيّتها، وتبكي دون شهو
كنت حسّ حالي عم إختنق... مش من الحرب، من العيشة عذوق غيري، من كوني صرت فجأة لازم راعي مشاعر الكل واكبت مشاعري. كنت حبّ الموت مش كرمال موت، بس كرمال أخلص من هالحمل، منّي، منن، من كل شي
لم تكن الحرب فقط طائرات وصواريخ، بل كانت كأنّها اجتياح داخليّ، فَجّر في ريهام كلّ ما كانت تحاول أن تُرمّمه. وكأنّ اضطرابها لم يعد مرضًا، بل صار مرآة لانفجار أكبر، يسكن جسدًا يحاول أن ينجو بلا أدوات، وعقلًا يصارع كي لا ينهار كلّيًا
ومع كل هذه التحديات والمآسي التي واجهتها ريهام، كان من المهم أن نفهم كيف يتفاعل اضطراب ثنائي القطب مع واقع الحرب، الذي يزيد من تعقيد الحالة النفسية للمصابين بهذا الاضطراب. وفي هذا السياق، وضّح د.برجي أنّ مريض اضطراب ثنائي القطب ليس كأيّ شخص عادي يمرّ بظروف حرب أو أزمة. فهو يعيش تقلبات مزاجية حادّة تتغيّر بين نوبات اكتئابية وأخرى من الهوس أو الهوس الخفيف،وهذا يجعل تأثير الحرب عليه مختلفًا تمامًا
هذه التغيرات المزاجية المتقلبة تضع المصابين باضطراب ثنائي القطب في دائرة من التحديات المضاعفة خلال أوقات الأزمات والحروب، حيث لا تكفي الظروف الصعبة وحدها لتقويض استقرارهم النفسي، بل يتضافر اضطرابهم المزاجي مع الظروف الخارجية ليصنع معركة يومية مستمرة من أجل البقاء والتوازن النفسي
وبينما كانت ريهام تعيش صراعها الدّاخليّ العنيف، محاطة بفوضى النّزوح وضغوط الحرب الّتي أضافت أعباء جديدة على اضطرابها النّفسيّ، لم تكن تجربتها تمثّل كلّ الأشخاص المصابين باضطراب ثنائي القطب. فكما شرح د.برجي أنّ كلّ مريض له قصّته الخاصة، والّتي تختلف تبعا لحالته والنوبة الّتي يمرّ بها. فتجربة ريهام كانت مشحونة بمشاعر الحزن واليأس والقلق، إذ وجدت نفسها محاصرة بين مرضها وظروف الحرب القاسية، ما جعل كل لحظة تمر عليها أشبه بمعركة جديدة
على النقيض من ذلك، كانت حالة كارمن
تعكس صورة مختلفة عن المعاناة النفسية في زمن الحرب. لم تكن كارمن غارقة في حالة
الاكتئاب العميق، لكنها أيضاً لم تكن في حالة سعادة أو نشاط مبالغ فيه كما في
نوبات الهوس. كانت حالتها أقرب إلى حالة من الاستقرار النسبي، أو ما يمكن تسميته
بـ “الهدوء النسبي” وسط العاصفة
لم تغمرها مشاعر الحزن أو الفقدان بشكل كبير، لكنها لم تكن بمنأى عن آثار التوتر والقلق الناتجين عن الأحداث المحيطة بها. كارمن وصفت تلك المرحلة بأنها كانت تشعر وكأنها في حالة ترقّب دائم، كأنها تستعد لما قد يحدث، لكنها لم تفقد القدرة على التعامل مع حياتها اليومية. فهي كانت تعيش في مكان آمن نسبيًا في الشوف
حيث لجأت إليها خالتها وأولادها الّذين نزحوا من مناطق أكثر تأثرًا بالحرب، وانضمّوا إلى منزل كارمن وعائلتها، مما أضاف بعدًا إنسانيًا جديدًا للتجربة. لم تكن كارمن تميل إلى الانعزال بشكل مفرط، ولم تعانِ من فقدان كامل للطاقة أو الإرادة، لكنها شعرت بعبء نفسي مختلف، عبء الخوف المستمر من المجهول، والتوتر الناتج عن الأحداث المتلاحقة
هذه الاختلافات الدقيقة بين حالة ريهام وكارمن تبرز كيف يتفاعل اضطراب ثنائي القطب مع الظروف الخارجية بطرق مختلفة حسب طبيعة الحالة المزاجية التي يمر بها المريض. فبينما كانت ريهام في مرحلة اكتئابية حادة زادتها الحرب تعقيدًا، كانت كارمن تحاول أن تحافظ على توازنها النفسي وسط حالة توتر مستمرة لكنها أقل حدة. وهذا يوضح أن الحرب لا تؤثر على الجميع بنفس الطريقة، بل تتداخل مع الاضطرابات النفسية لتخلق تجارب فردية معقدة ومتنوعة
ورغم كلّ ما قد يُنشر على مواقع التّواصل الاجتماعي من مقاطع أو اختبارات سريعة تحمل عناوين مثل: "اكتشف إن كنت مصابًا باضطراب ثنائي القطب في خمس دقائق"، فإنّ الواقع أبعد ما يكون عن هذه البساطة. لا توجد اختبارات منزليّة يمكن أن تعطيك تشخيصًا دقيقًا لمثل هذا الاضطراب المعقّد، ولا يمكن لمقطع فيديو أو منشور عام أن يحدّد حالتك النفسيّة بدقّة
فاضطراب ثنائي القطب ليس مزاجًا متقلّبًا أو يومًا سيئًا يليه يوم جيّد، بل هو حالة طبيّة لها معايير تشخيصية واضحة تستند إلى تقييم شامل من طبيب نفسي مختصّ، يأخذ بعين الاعتبار التاريخ الشخصي للمريض، الأعراض، شدّتها، مدّتها، وتأثيرها على مجرى الحياة اليوميّة. وكلّ محاولة للتشخيص الذاتي دون الرجوع إلى اختصاصيّ قد تؤدّي إلى نتائج عكسيّة، إمّا بخلق حالة من الذعر غير المبرّر، أو بتجاهل مشكلة حقيقيّة تتفاقم بصمت
والأخطر من ذلك، هو أن يقتنع الشّخص بأنّه مصاب باضطراب ثنائي القطب، فيبدأ بتبرير سلوكياته أو تقلباته العاطفية دون أن يلجأ إلى علاج فعلي، أو أن يتناول أدوية نفسيّة بناءً على نصائح عشوائيّة، مما قد يعرّض صحّته النفسيّة والجسديّة للخطر
لهذا، فإنّ الخطوة الأولى لفهم ما نمرّ به نفسيًّا لا تبدأ من الإنترنت، بل من العيادة، من جلسة صادقة وآمنة مع طبيب يعرف كيف يُصغي، ويقرأ ما بين السطور، ويقدّم تشخيصًا دقيقًا يكون بداية لرحلة علاج حقيقية، لا مجرّد تقمّص لدور مريض في اختبار إلكتروني
ولعلّ من أكبر التحديات التي تواجه من يسعون لفهم أنفسهم وتشخيص حالاتهم النفسية هو الوصول إلى الرعاية المناسبة في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة القاسية. فحتى بعد تجاوز العقبات النفسيّة والاجتماعيّة المرتبطة بطلب المساعدة، يبقى العائق المادّي حاضرًا بقوّة، حيث تُشكّل كلفة العلاج النفسيّ عائقًا فعليًّا أمام الاستمراريّة والالتزام، خصوصًا بعد تصاعد الأزمات الأخيرة التي شلّت القطاع الصحّي، وفاقمتها الحرب التي لم تكتفِ بإلحاق الضرر بالمباني والبيوت، بل طالت سلامة الناس النفسيّة وضيّقت أمامهم سبل الوصول إلى العلاج
وفي خضمّ هذا المشهد المثقل بالخوف والفقدان، تبرز بعض المبادرات والمؤسسات التي تسعى لتقديم الدعم النفسيّ بأسعار رمزيّة، محاولة أن تسدّ فجوة الرعاية وتمنح الأمل للمرضى وعائلاتهم. من بين هذه الجهات، تبرز الهيئة الصحيّة الإسلاميّة كمثال حيّ على مؤسسات تدرك عمق الأزمة، وتقدّم جلسات علاج نفسيّ بأسعار مدروسة، في عياداتها المنتشرة على امتداد المناطق اللبنانيّة. هذه المبادرات تشكّل طوق نجاة للعديد من الأفراد الذين لولاها لما تمكنوا من الاستمرار في العلاج أو حتى التفكير فيه
فالعلاج النفسيّ ليس ترفًا، بل حاجة إنسانيّة ملحّة، وحقّ أساسي لكلّ من يعاني، أكان في زمن السلم أو تحت وطأة الحرب. وفي بلد تتكاثر فيه الأزمات، وتُغلق فيه الأبواب في وجه من يحتاج للمساعدة، تبقى هذه المبادرات بارقة أمل، تعيد بعض التوازن لعقول أنهكها القلق، وأرواح مزّقها الخوف، وتؤكّد أن الدعم ممكن، والتعافي ليس مستحيلاً
في نهاية المطاف، لا أحد يجب أن يشعر أنّه وحيد في معركته مع نفسه. كلّ شخص، مهما كانت معاناته أو تقلباته، يستحقّ أن يُصغى له، أن يُفهَم، وأن يُحبّ.فالصّحة النفسيّة ليست ضعفًا،وطلب المساعدة ليس عارًا، بل هو أسمى أشكال الشّجاعة والوعي
من عاش في قلب الحرب،أو عانى من فوضى
داخليّة لا تُرى، يعرف كم هو ثمين ذلك الحضن، أو تلك الكلمة الطيّبة، أو جلسة
واحدة مع أخصائي يمكن أن تُنقذ حياة. من حقّ كلّ فرد أن يجد من يهتمّ به، أن يشعر
أنّه مرئيّ، أنّ وجعه ليس عبئًا بل نداء للرفق والدعم .لا
تنتظر أن تسوء الأمور كي تطلب المساعدة، ولا تقارن ألمك بألم غيرك.كلّ وجع يستحقّ
أن يُسمع، وكلّ جرح يحتاج وقتًا ليشفى. فالحياة، رغم كلّ ما نمرّ به، تستحقّ أن
تُعاش
وأنت تستحقّ أن تكون بخير